محمد أبو زهرة
209
المعجزة الكبرى القرآن
وما يصدر عنها من نور وضياء ، وكان الانتقال من الأرض إلى السماء بتقريب في الألفاظ والمعاني ، فعبّر سبحانه عن خروج النهار من الليل بالفجر الصادق الذي يشق الظلام ، فقال سبحانه - فالق الإصباح - وفي ذلك مقاربة في التعبير بين فلق الحب والنوى ، وشق النور في الظلام ، ثم جعل من بعد ذلك نتيجة لهذا الإصباح أن كان الليل سكنا ، ووجه الأنظار إلى الشمس والقمر ، فجعلهما سبيلا لحسبان الأيام والليالي والشهور ، ثم ختم النص بما يفيد أن ذلك كله من حكمة اللّه تعالى العلى القدير ، وهنا نجد المعنى واللفظ يختمان بختام من القول يدل على انتهاء هذا الجزء ، ومثله في ذلك - ولكلام اللّه تعالى المثل الأعلى - كمثل من يصور أجزاء كل جزء منه ناطق وحده متميز بوجوده مع الاتصال الوثيق بما يليه ، وقد كانا على مقربة بعضهما من بعض في نسق بيانى ، لا هو من السجع ، ولا من الإرسال ولا الشعر ، ولكنه فوق ذلك ، وفيه مزايا كل واحد من هذه الأقسام مع الزيادة التي تجعل الكلام لا يطاول بيانا . وقد ذكر من بعد ذلك زينة السماء إذ قد زينت بالنجوم كالمصابيح للأرض يهتدى بها في ظلمات البر والبحر ، وفي ذلك إشارة واضحة إلى بيان نعم اللّه تعالى في اليابس والماء ، ففي الأرض زروع وثمار ، وحيوان ، قد سخرت لبنى الإنسان ، ومن البحر تستخرج حلية ، وتأكل منه لحما طريا ، وفي السماء يهتدى بالنجوم في دجنة الليل ، ويسير في البحر بالجوار المنشئات كأنها الأعلام . وختمت الآية الكريمة بما يدل على أن إدراك هذه النعم يحتاج إلى علم وإيمان بالحق ، ولا حياة لعلم بغير إيمان بالحق ، ولا حياة لإيمان من غير علم ، فهما متلازمان . ثم بين سبحانه خلق الإنسان ، وهو كون قائم بذاته في إدراكه ببصر وبصيرة ، وفي أصل نشأته ما يساوى أصل الوجود كله ، ولذلك قال سبحانه وتعالى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 21 ) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ( 22 ) . [ الذاريات : 21 ، 22 ] وإن اللّه ختم الآية الكريمة بما يناسب خلق الإنسان الدقيق الذي لا يدركه إلا نافذ البصيرة ، فقال سبحانه : قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ فالفقه هو العلم الدقيق العميق الذي يشق الظلام حتى يصل إلى الحقيقة . وإننا نجد من هذا أن القرآن لا يمكن أن يوصف بأنه نثر ، ولا بأنه مزدوج له فواصل ، ولا بأنه سجع له قواف ، ولا بأنه شعر ، فليس له أوزان ولا قواف ، بل هو ذو نظم اختص به من كل الكلام .